أحمد بن علي الطبرسي

302

الاحتجاج

ولا يجوز عليه الأفول ، ( 1 ) لم يلد فيكون مولودا ، ولم يولد فيصير محدودا ( 2 ) جل عن اتخاذ الأبناء ، وطهر عن ملامسة النساء ، لا تناله الأوهام فتقدره ، ولا تتوهمه الفطن فتصوره ، ولا تدركه الحواس فتحسه ، ولا تلمسه الأيدي فتمسه ، ولا يتغير بحال ، ولا يتبدل بالأحوال ، ولا تبليه الليالي والأيام ، ولا يغيره الضياء والظلام ، ولا يوصف بشئ من الأجزاء ، ولا الجوارح والأعضاء ، ولا بعرض من الأعراض ولا بالغيرية والأبعاض ، ولا يقال له حد ولا نهاية ، ولا انقطاع ولا غاية ، ولا أن الأشياء تحويه ، فتقله أو تهويه ، ولا أن شيئا يحمله فيميله أو يعدله ، ( 3 ) ليس في الأشياء بوالج ، ولا عنها بخارج ، يخبر لا بلسان ولهوات ، ويسمع لا بخروق وأدوات ، يقول ولا يلفظ ، ويحفظ ولا يتحفظ ، ويريد ولا يضمر ، يحب ويرضى من غير رقة ، ويبغض ويغضب من غير مشقة ، ويقول - لما أراد كونه - : " كن فيكون " لا بصوت يقرع ، ولا نداء يسمع ، وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثله لم يكن من قبل ذلك كائنا ، ولو كان قديما لكان إلها ثانيا ، ( 4 ) ولا يقال

--> ( 1 ) لا يحول : لا يتغير . والأفول : الغيبة . ( 2 ) الولادة تحصل بانفصال شئ عن آخر من جنسه ونوعه ، فالوالد والولد يشتركان في النوع والصنف والعوارض ، ولا يكون هذا الانفصال والتجزي إلا بواسطة المادة القابلة للتجزأة ، وإذا كان كذلك فهو متولد من مادة وصورة . ويحتمل أن يكون المراد بالمولود المخلوق ، فيكون المعنى لم يلد فيثبت كونه جسما مخلوقا . وعلى كلا التقديرين سواء كان مولودا من مادة وصورة ، أو كان جسما مخلوقا ، فإنه يكون محدودا بالحدود المنطقية ، والأبعاد الهندسية . ( 3 ) لا تناله الأوهام فنقدره بمقدار وكم ، وشكل وكيف ، والفطنة سرعة للفهم ولا تتوهمه الفطن فتصوره بصور خيالية أو عقلية ، ولا تدركه الحواس بنحو المباشرة ولا تلمسه وتحسه الأيدي بنحو المماسة ، ولا يتغير أبدا ، ولا يوصف بالغيرية والأبعاض فصفاته لا يغاير بعضها بعضا ، وليس هو بذي مكان يحويه ، فيرتفع بارتفاعه وينخفض بانخفاضه ، كما أنه غير محمول على شئ ، فيميله إلى جانب ، أو يعدله على ظهر من غير ميل ( 4 ) يحفظ عباده ويحرسهم ، ولا يتحرز ولا يخاف ويبغض ويغضب ولا يستلزم بغضه وغضبه مشقة وانزعاجا ، كما هو الحال بالنسبة لنا مما يستلزمانه فينا من فوران دم القلب واضطرابه ، يقول - لما أراد كونه - كن فيكون وليس المراد بالقول هو التكلم الحقيقي حتى يكون له صوت يقرع الآذان فيسمع وإنما كلامه سبحانه هو نفس فعله ، وخلقه للأشياء وتصويرها ينشؤه ويمثله لجبرئيل في اللوح وليس هو بقديم ولو كان قديما لكان إلها ثانيا .